محمد بن جرير الطبري
86
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فعل ذلك بها فما حاجتهم ! إذا أقيم لهم من ينظر في احكامهم فينصف بعضهم من بعض ، ويؤمن سبلهم حتى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم ، ويسد ثغورهم وأطرافهم حتى لا يجيئهم عدوهم ، وقد فعلنا ذلك بهم ثم مكث أياما ، وقال : يا ربيع ، اضرب الطبل ، فركب حتى رآه العامة . وذكر علي بن محمد ، قال : حدثني أبى ، قال : وجه أبو جعفر مع محمد بن أبي العباس بالزنادقة والمجان ، فكان فيهم حماد عجرد ، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجون ، وانما أراد بذلك ان يبغضه إلى الناس ، فأظهر محمد انه يعشق زينب بنت سليمان بن علي ، فكان يركب إلى المربد ، فيتصدى لها ، يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر اليه ، فقال محمد لحماد : قل لي فيها شعرا ، فقال فيها أبياتا ، يقول فيها : يا ساكن المربد قد هجت لي * شوقا فما انفك بالمربد قال : فحدثني أبى قال : كان المنصور نازلا على أبى سنتين ، فعرفت الخصيب المتطبب لكثرة اتيانه إياه ، وكان الخصيب يظهر النصرانية وهو زنديق معطل لا يبالي من قتل ، فأرسل اليه المنصور رسولا يأمره ان يتوخى قتل محمد بن أبي العباس ، فاتخذ سما قاتلا ، ثم انتظر عله تحدث بمحمد ، فوجد حراره ، فقال له الخصيب : خذ شربه دواء ، فقال : هيئها لي ، فهياها ، وجعل فيها ذلك السم ثم سقاه إياها ، فمات منها فكتبت بذلك أم محمد بن أبي العباس إلى المنصور تعلمه ان الخصيب قتل ابنها فكتب المنصور يأمر بحمله اليه ، فلما صار اليه ضربه ثلاثين سوطا ضربا خفيفا ، وحبسه أياما ، ثم وهب له ثلاثمائة درهم ، وخلاه . قال : وسمعت أبى يقول : كان المنصور شرط لام موسى الحميرية الا يتزوج عليها ولا يتسرى ، وكتبت عليه بذلك كتابا اكدته وأشهدت عليه شهودا ، فعزب بها عشر سنين في سلطانه ، فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهل الحجاز يستفتيه ، ويحمل اليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق